بلجيكا /مينانيوزواير/ — بلجيكا تعزز قدراتها الدفاعية من خلال خطة استثمارية طموحة بقيمة 3.7 مليار يورو مخصصة للابتكار الدفاعي خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2035، في خطوة تعكس توجه الدولة الأوروبية نحو تحديث قواتها المسلحة وتعزيز جاهزيتها الأمنية في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة الأوروبية والعالم.

استثمار طويل الأجل في الأمن الوطني
بلجيكا تعزز قدراتها الدفاعية عبر برنامج «أودين» للتكنولوجيا العسكرية
ويأتي هذا البرنامج الجديد ليؤكد سعي بلجيكا إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية متقدمة، قادرة على دعم الأمن الوطني وتعزيز مكانة البلاد ضمن منظومة الدفاع الأوروبية والأطلسية.
وأعلنت الحكومة البلجيكية عن إطلاق برنامج «أودين» (ODIN)، الذي سيشكل الإطار الرئيسي للاستثمارات الدفاعية المستقبلية، مع التركيز على تطوير التقنيات العسكرية الحديثة وربط الأبحاث العلمية بالاحتياجات التشغيلية للقوات المسلحة.
وأكد وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن أن هذه المبادرة تمثل خطوة استراتيجية نحو بناء قدرات دفاعية أكثر تطوراً ومرونة، بما يواكب التحديات الأمنية الجديدة ويعزز الاستعداد للمستقبل.
ويشكل برنامج «أودين» جزءاً من استراتيجية الدفاع والصناعة والبحث المعروفة باسم DIRS، التي تهدف إلى دمج البحث العلمي والابتكار الصناعي مع المتطلبات العسكرية.
وتركز الاستراتيجية على بناء منظومة دفاعية متكاملة تربط بين القوات المسلحة والقطاع الصناعي ومراكز الأبحاث والمؤسسات الحكومية، بهدف تسريع تطوير القدرات الدفاعية الوطنية.
وتخطط بلجيكا لتخصيص نحو 350 مليون يورو سنوياً للبحث والتطوير والإنتاج المرتبط بالاحتياجات الدفاعية، ما يجعل البرنامج أحد أكبر مشاريع الاستثمار العسكري والتكنولوجي في تاريخ البلاد الحديث.
ويأتي هذا الاستثمار في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية تحولاً كبيراً في السياسات الدفاعية، حيث تعمل العديد من الدول على زيادة ميزانياتها العسكرية وتعزيز جاهزيتها الأمنية.
فالتحديات الأمنية المتزايدة والتوترات الجيوسياسية دفعت الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم أولوياتها الدفاعية والاستثمار بشكل أكبر في التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
كما يواجه أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضغوطاً متزايدة لتحسين الجاهزية العملياتية ورفع مستوى الإنفاق الدفاعي بما يتماشى مع الأهداف المشتركة للحلف.
وفي هذا السياق، تسعى بلجيكا إلى تعزيز مساهمتها في الأمن الأوروبي الجماعي من خلال تطوير قدراتها الوطنية والاستثمار في الابتكار الدفاعي.
ويركز برنامج «أودين» على مجموعة واسعة من التقنيات الدفاعية المتقدمة التي أصبحت تشكل أساس الحروب الحديثة.
ومن أبرز المجالات المستهدفة:
الطائرات بدون طيار.
أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة.
الذكاء الاصطناعي العسكري.
الأمن السيبراني.
الحرب الالكترونية.
الأنظمة الفضائية العسكرية.
تقنيات القيادة والتحكم المتقدمة.
أنظمة المراقبة والاستطلاع الذكية.
ويعكس هذا التركيز إدراك بلجيكا لأهمية التكنولوجيا باعتبارها عاملاً حاسماً في تعزيز الكفاءة العسكرية والقدرة على مواجهة التهديدات الحديثة.
وتسعى الحكومة البلجيكية من خلال البرنامج إلى دعم الشركات الوطنية العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية وتحفيز الابتكار المحلي.
فإلى جانب الأهداف العسكرية، يهدف المشروع إلى خلق فرص اقتصادية جديدة وتعزيز التنافسية الصناعية للبلاد في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
كما يشجع البرنامج التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الخاصة لتطوير حلول مبتكرة يمكن استخدامها داخل القوات المسلحة أو تسويقها في الأسواق الدولية.
ويُنظر إلى هذه الاستراتيجية باعتبارها فرصة لتعزيز مكانة بلجيكا ضمن قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية الذي يشهد نمواً متسارعاً.
وقد ساهم المعهد الملكي العالي للدفاع والخدمة العامة الاتحادية للاقتصاد في تطوير الإطار الاستراتيجي العام للبرنامج منذ عام 2022.
ويهدف هذا التعاون إلى ضمان توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الجدوى العملية والقابلة للتطبيق الميداني.
كما تركز الخطة على تسريع الانتقال من مرحلة البحث والتطوير إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل الفعلي داخل القوات المسلحة.
ويرى المسؤولون أن تقليص الفجوة بين المختبرات والاحتياجات العسكرية الفعلية يمثل أحد أهم عوامل نجاح الابتكار الدفاعي.
وتعكس هذه الاستثمارات رؤية بلجيكا لبناء منظومة دفاعية حديثة تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا بدلاً من الاعتماد الحصري على المعدات التقليدية.
ففي عالم يشهد تطورات متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والطائرات غير المأهولة، أصبح الاستثمار في الابتكار ضرورة استراتيجية للحفاظ على الأمن الوطني.
كما تسعى بلجيكا إلى تعزيز استقلاليتها التكنولوجية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في بعض المجالات الحساسة.
ويُتوقع أن يسهم البرنامج أيضاً في تعزيز التعاون بين بلجيكا وشركائها الأوروبيين ضمن مشاريع الدفاع المشتركة.
فالاتحاد الأوروبي يواصل العمل على تطوير قدراته الدفاعية الجماعية من خلال مبادرات تهدف إلى تعزيز الابتكار وتنسيق الاستثمارات العسكرية.
وتعتبر بلجيكا من الدول الداعمة لهذا التوجه، حيث ترى أن التعاون الأوروبي يمثل عاملاً أساسياً لتعزيز الأمن والاستقرار في القارة.
وتؤكد الخطة الجديدة أن بلجيكا تعزز قدراتها الدفاعية وفق رؤية طويلة الأمد تستند إلى التكنولوجيا والابتكار والتعاون الصناعي.
ومع تخصيص 3.7 مليار يورو خلال العقد المقبل، تبدو البلاد عازمة على بناء منظومة دفاعية أكثر تطوراً وكفاءة، قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية المستقبلية والمساهمة بفاعلية في منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي.
ويعكس برنامج «أودين» تحوّلاً استراتيجياً في طريقة التفكير الدفاعي، حيث لم تعد القوة العسكرية تعتمد فقط على حجم المعدات، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بالقدرة على الابتكار والتطوير التكنولوجي المستمر.

